فخر الدين الرازي

24

تفسير الرازي

المسألة الرابعة : الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده ، لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلاً أو مرسلاً إليهم ، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار . المسألة الخامسة : الآية تدل على كونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة ، لأنه تعالى قال : * ( وما كنا غائبين ) * ولو كان تعالى على العرش لكان غائباً عنا . فإن قالوا : نحمله على أنه تعالى ما كان غائباً عنهم بالعلم والإحاطة . قلنا : هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة . فإن قالوا : فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات ، فقد قلتم أيضاً بكونه غائباً . قلنا : هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة ، وذلك مشروط بكونه مختصاً بمكان وجهة ، فأما الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة وكان ذلك محالاً في حقه ، امتنع وصفه بالغيبة والحضور ، فظهر الفرق والله أعلم . * ( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب ، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضاً وزن الأعمال ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : * ( الوزن ) * مبتدأ و * ( يومئذ ) * ظرف له و * ( الحق ) * خبر المبتدأ ، ويجوز أن يكون * ( يومئذ ) * الخبر و * ( الحق ) * صفة للوزن ، أي والوزن الحق ، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل . المسألة الثانية : في تفسير وزن الأعمال قولان : الأول : في الخبر أنه تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها ، ثم قال ابن عباس : أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله : * ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ) * الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء : * ( ونضع